مفهوم النظرية

 المحاور

من الدلالات إلى الإشكالية

النظرية و الممارسة

وظائف النظرية

النظرية و الواقع

 

المحور الأول: من الدلالات إلى الإشكالية:

الدلالات العامية

تعني النظرية في التداولات اليومية الرأي أو الحكم أو القول...كما أنها تخضع إلى حكم مسبق في الحس المشترك و الذي يعترف بالعمل و الفعل أكثر من التفكير و النظر العقلي التجريدي الخالص.و يتضمن هذا المعنى التحقيري للنظرية أمران:

1.    أن العمل أو الفعل بالنسبة للحس المشترك أرفع قيمة و أكثر أهمية و أجدى نفعا من النظرية التي تعتبر عقيمة بدونه.

2.    أن النظرية حين تقترن بالفعل تكتسي أهمية بالغة, بحيث تكون بمثابة البصر بالنسبة للمشي. فالنظرية في التمثل المشترك أداة للفعل و العمل و يجب أن تكون كذلك و أن تنحصر في حدود ذلك, و إلا فقدت قيمتها و انقلبت عيبا و نقصا. إنها تابعة للعمل والتطبيق, مرتبطة بالمنفعة و الفائدة و كذا الفعالية العملية التطبيقية.

فهل للنظرية نفس المعنى في المستوى الدلالي المعجمي الاشتقاقي و كذا الاصطلاحي؟

الدلالات اللغوية:

لفظ النظرية في اللغة العربية مشتق من << النظر >> و يعني فعل الرؤية و الملاحظة بالعين. أما في الاشتقاق اللغوي الأعجمي فإن كلمة Théorie هي كتابة فرنسية لكلمة Théoria الإغريقية و المشتقة بدورها من فعل Théorein و الذي يعني نظر و لاحظ ثم تأمل.

أما على المستوى الاصطلاحي, فتعني كلمة نظرية حسب لسان العرب لابن منظور       << ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم. و قيل النظر...طلب علم من علم... و البحث >>. كما أنها في الاصطلاح الفرنسي ذات معنيين:(1)<< مجموعة من الأفكار و المفاهيم المجردة المنظمة قليلا أو كثيرا, و المطبقة على ميدان مخصوص.>>          (2)<< بناء عقلي منظم ذو طابع فرضي... تركيبي >>( معجم رو بر ).

إذا كانت الدلالات العامية تفضل العمل أو الفعل على النظرية فإن الدلالات الاصطلاحية تركز على المعنى العقلي المجرد. فماذا عن الدلالات الفلسفية؟

الدلالات الفلسفية:

حدد لالاند في معجمه الفلسفي النظرية بأنها : << إنشاء تأملي للفكر يربط نتائج بمبادئ>>.

 و يعرض نفس المعجم بعد ذلك التقابلات التالية:

(1) تتقابل النظرية مع الممارسة اليومية أو التطبيق.

(2) تتقابل النظرية مع المعرفة العامية.

(3) تقابل النظرية مع المعرفة العامية اليقينية.      

  (4) تتقابل النظرية مع الجزئيات و التفاصيل العلمية.

الإشكالية:

1)   ما طبيعة العلاقة التي تجمع النظرية بالممارسة؟ هل هي علاقة انفصال أم اتصال؟

2)   ما وظيفة النظرية؟ هل وظيفتها هي وصف الواقع أم تفسيره و التنبؤ بمساراته؟

3)    ما علاقة النظرية بالواقع؟ أهي صورة مطابقة له أم أنها إنشاء عقلي حر؟

 

المحور الثاني: النظرية و الممارسة

إشكالية المحور: ما طبيعة العلاقة التي تجمع بين النظرية و الممارسة؟ و هل هي علاقة انفصال أم ارتباط؟        

أطروحة الانفصال:

موقف غاستون باشلار

في كتابه "تكوين العقل العلمي"  يقيم باشلار تقايلا بين نوعين من المعرفة النظري الأولى عقلية برهانية ذات اتجاه صائب لأنها تعتمد على البداهة العقلية فيما الثانية حسية نفعية تعتمد أساسا على إشباع الرغبات الحسية التي تتحول إلى عقبة أمام إنتاج النظرية بشكل علمي دقيق هكذا يدعو باشلار إلى ضرورة إقامة قطيعة إبستمولوجية بين النظرية و الممارسة .

أطروحة الاتصال:

موقف بن مسكويه

يقول ابن مسكويه: "العلم مبدأ و العمل تمام, المبدأ بدون تمام يكون ضائعا و التمام بدون مبدأ يكون مستحيلا"

إن هذه المقولة تحيل على ضرورة الارتباط بين النظرية و الممارسة أو العلم و العمل بتعبير بن مسكويه و النظرية نقطة البدء التي لابد لها من تمام يتجلى في الممارسة التي تكون مستحيلة بدون نظرية كما تكون النظرية ضائعة بدون ممارسة.

 

موقف مالينوفسكي

يدافع مالينوفسكي على موقف الاتصال بين النظرية و الممارسة من خلال الإحالة على مثال واقعي يتجلى في عملية إشعال النار لدى البدائيين , فشكلا تبدو ممارسة يومية بدائية لكنها تختزن نظرية تتجلى في أساسها العلمي من جهة و القواعد الصارمة التي ينبغي التقيد بها لإنجاح العملية الشيء الذي جعل مالينوفسكي يجزم بأن النظرية جزء من العمل اليدوي.

 

موقف جان بياجي

ينطلق بياجي في محاولته إثبات ضرورة الربط بين النظرية و الممارسة من نتائج دراساته في علم النفس التربوي  التي تشير إلى أن المعرفة حصيلة تفاعل جدلي بين الذات و الموضوع  فهي و عن كانت فعلا ذاتيا فهي لا تتم إلا من خلال الارتباط بالمحيط الخارجي انطلاقا من سياقين اثنين يسميهما بياجي بالاستيعاب و الملاءمة فالإنسان يتلاءم مع محيطه انطلاقا من استيعاب مختلف معطياته عن طريق القنوات التنشيئية فيتحقق له النمو و التساع المعرفيين. إن المعرفة النظرية حسب بياجي لا تنفصل عن الممارسة.

خلاصة تركيبية

لقد طرحت علاقة النظرية بالممارسة على نطاق واسع طال مختلف امتدادات الفكر الإنساني ما بين سياقي الانفصال المبني على ضرورة الانحياز للنظرية العقلية الخالصة المنزهة عن كل منفعة والاتصال الذي لا يتصور كل من طرفي المعادلة إلا مكملا للآخر لكن التصور الأعم يسير في في اتجاه ترجيح كفة التصال على الانفصال من منطلق ضرورة أن تؤدي النظرية وظائف معينة على مستوى الواقع فما هي وظائف النظرية؟

 

المحور الثالث: وظائف النظرية

إشكالية المحور: ما هي وظائف النظرية؟ هل هي وصفية فقط أم تفسيرية و تنبئية أيضا؟

 

تتأرجح وظائف النظرية حسب مختلف الطروحات المتداولة بين الوصف و التفسير وصولا إلى التنبؤ و تتعلق الوظيفة الوصفية بالوقوف عند مستوى وصف الظواهر كما هي في الواقع دون تجاوز هذا المستوى ما هو الشأن بالنسبة لنظرية كبلر حول الشكل الإهليجي لدوران الكواكب فهي تتوقف عند الوصف دون تجاوزه إلى التفسير أما الوظيفة التفسيرة فتتجاوز الوصف إلى تقديم العلاقات السببية الرابطة بين الظواهر كما هو الشأن بالتفسير الذي قدمه نيوتن لسقوط الأجسام عن طريق ربطه بقانون الجاذبية كما من الممكن ان تتجاوز النظرية هذا المستوى أيضا إلى التنبؤ عن طريق احتضان الظواهر المستقبلية و توقع مساراتها انطلاقا مما تم تفسيره. و يمكن الحديث في هذا الإطار عن موقفين رئيسين:

موقف بيير دوهيم

يعترض دوهيم على كل الآراء التي تدعو إلى أن تتجاوز النظرية الفيزيائية الوصف إلى التفسير و التنبؤ لأن الوظيفة الأساسي للنظرية تظل مرتبطة بتركيب مجموعة من القوانين العلمية التي تصف الظواهر أما اتجاهها إلى التفسير فيجعلها تحت رحمة الميتافيزيقا.

موقف هامبل

يرى هامبل ضرورة ارتباط وظيفة النظرية الفيزيائية بالتفسير فعملية تركيب القوانين ينبغي أن تتوسع و تتعمم بحيث تقوم بمهمة تفسير الظواهر بردها إلى المبادئ التي كانت سببا في حدوثها الشيء الذي يوسع نطاق المعرفة و الفهم فتتجاوز النظرية الوصف إلى التفسير و التنبؤ بالوقائع التي لم تكن معروفة.

 

خلاصة تركيبية:

يطرح محور وظائف النظرية إشكالات فلسفية ترتبط بمنتظرات هذه الأخيرة ما بين الوصف الذي يضمن عدم الانزلاق إلى متاهات الميتافيزيقا كما تصورها بيير دوهيم و التفسير و التوقع الذي يضمن تعميم اشتغال التفكير الإنساني للإحاطة  بمختلف العلاقات السببية الكائنة وراءها , لكن مختلف هذه الاجتهادات تمت في حقل الفيزياء مما يتطلب ضرورة التحفظ في تعميميها على بقية المعارف الإنسانية و في مقدمتها العلوم الإنسانية التي يتعذر ترييضها و التنبؤ الدقيق بمساراتها.

المحور الرابع: النظرية و الواقع

إشكالية المحور: ما علاقة النظرية بالواقع؟ هل هي صورة مشابهة له أم هي إنشاء عقلي حر؟

إن كل نظرية من حيث هي ربط  لقوانين بمبادئ تقوم على الارتباط بالواقع من خلال وصفه أو تفسيره و التنبؤ بمساراته عبر جسر التجربة التي تقوم بوظيفتين أساسيتين فهي من جهة المنطلق الذي تستمد منه النظرية قوانينها المصاغة رياضيا و هي من جهة أخرى نقطة الوصول التي من خلالها يتم التحقق من صدق النظرية أو كذبها و يمكن الحديث في علاقة النظرية بالواقع عن أطروحتين رئيستين:

الأطروحة التجريبية المعاصرة:

موقف بيير دوهيم

يعتبر دوهيم أن التجربة هي القاعدة الأساسية و الضرورية لكل تطور علمي فهي نقطة الانطلاق و الوصول مع و هي الكفيلة بمنحنا معرفة دقيقة بالواقع أما الغنشاء العقلي فلا يبقى له سوى دور التركيب و تصنيف النتائج لتقديمها بطريقة مقبولة.

 

الأطروحة العقلانية المعاصرة:

 

موقف أينشتاين

 يرى أيشتين أن بناء النسق الفيزيائي يتم أساسا على مستوى الفكر: إنه إنشاء عقلي محض. و لا يعتبر التجربة إلا ذات دور ثانوي, إنها بمثابة معيار للتحقق من صحة النتائج المستنبطة رياضيا من قوانين و علاقات النسق؛ و بالتالي صحة النسق ذاته. كما يعتقد أيشتين أن الفكر الخالص قادر على فهم الواقع, و اكتشاف كل المفاهيم و القوانين التي تحكمه. إنه يدعو إلى اتباع المنهج الفرضي-الاستنباطي (أو الأكسيوماتي ) من أجل فهم الواقع.

موقف باشلار

يذهب باشلار إلى أبعد من ذلك حينما يحلل نتائج العلم الفيزيائي المعاصر و انعكاسها على ما نسميه ب<الواقع>؛ لقد فقد هذا الواقع معناه بسبب تطور البحوث الخاصة بالعالم اللامتناهي في الصغر infiniment petitl ؛ فإذا كانت الظواهر الماكروسكوبية macroscopiques تبدو ثابتة, نوعا ما, و قابلة للتعيين في الزمان و المكان كأشياء لها فرديتها و خصائصها المميزة الثابتة نسبيا, فإن الظواهر الميكروسكوبية  microscopiques ( كالجسيمات: الإلكترون, الفوتون...) تفتقد إلى كل ذلك؛ إنها تكاد تتلاشى, و تفقد كل فردية و تميز, و يكاد يتعذر تصورها على غرار أشياء العالم الماكروسكوبي و ظواهره, إلى درجة تصبح معها الخطاطات الرياضية المجردة التي تعبر عن الإلكترون و الفوتون مثلا, أكثر واقعية منهما.

 

خلاصة:

شكل مفهوم النظرية محور الدراسات و الأبحاث الفلسفية و الإبستمولوجية المعاصرة على امتداد كل مناحي الفكر الإنساني سواء تعلق الأمر بالجانب الطبيعي ممثلا في العلوم الدقيقة أم بالجانب الإنساني ممثلا في العلوم الإنسانية مما أفضى إلى تنوع و تعدد المقاربات لمختلف العلائق التي تربط هذا المفهوم الإشكالي بمختلف الامتدادات الفكرية و الواقعية.